في كثير من الأحيان تصحبنا واجهات متاجر الأزياء في رحلة إلى عالم السحر والخيال، ولا تقتصر هذه الرؤية على من لا يملكون القدرة على ارتداء المعروضات خلف نوافذها فحسب. إن الدور الرئيس الذي تلعبة واجهات العرض هو تقديم مشهد مُؤلَف من عدة عناصر ومنتجات لجذب انتباه الرائي، وجعله يغرق في عالم الأحلام، وربما يكون الغرض بيع بعض المنتجات في نفس الوقت. أن بيع المنتجات لم يكن من الاهتمامات المعلنة لعميدة الفيترينات التسعينية، أو كما تطلق عليها الدار الفرنسية الفاخرة “ملكة الافتتان”.

كانت منشاري مسؤولة عن واجهة هيرمس الرئيسية الخاطفة للأبصار (والتي كثيراً ما تسببت في توقف حركة المرور أيضاً) في شارع Rue du Faubourg Saint-Honoré من عام 1978 حتى عام 2013. وخلال هذه الفترة قامت بتنسيق واجهات ساحرة، تتسم بالأناقة والإبهار. ولم يكن أي من عناصر الواجهة معروضاً للبيع، وعند انتهاء فترة عرض أحد الواجهات، كانت تُخزن في مكان سرّي.

واجهة هيرمس في ربيع 1995

وقد بُعثت الحياة من جديد الآن في مجموعة من أبرز أعمالها، التي خرجت من مخبأها لعرضها في المعرض المقام في Grand Palais والذي يتزامن مع إقامة معرض التصوير العالمي Paris Photo. مناسبة جد موفّقة، حيث أن الأعمال الإبداعية المعروضة تتمتع بجاذبية خاصة في التصوير. أما اختيار عنوان المعرض وهو Hermès à Tire-d’Aile (هيرمس في لمحة)، فما هو إلا عملية تلاعب بالألفاظ، فقد استغرق تنظيم المعرض أسابيع من العمل الشاق لصنع هذه المشاهد الساحرة من واجهات هيرمس بدقة متناهية، وهو بالطبع يتطلب أكثر من مجرد لمحة لاستعراض هذه المشاهد الدقيقة واستكشاف العناصر المعروضة بعمق.

واجهة هيرمس في شتاء 2008

ولدت ليلى منشاري في تونس لأسرة ميسورة الحال (وقد أدخلت والدتها عز الدين عليّة ابن وطنها إلى عالم الأزياء الراقية الباريسي، وساعدته في الحصول على أول وظيفة له في دار Christian Dior عام 1957). درست منشاري في كلية الفنون الجميلة في تونس قبل الذهاب إلى باريس بحثاً عن مهنة في مجال الفن. وبعد وصولها بفترة وجيز عرضت رسوماتها على أني بوميل Annie Beaumel، والتي كانت ترأس واجهات Hermès آنذاك، عام 1961، وتم تعيينها في الحال.

واجهة هيرمس في صيف 1998

لم تكن منشاري أول من يبدع واجهات خلابة، ولم تكن الأولى كذلك في عرض منتجات لا يسمح ببيع أي منها. فقد قام Cristobal Balenciaga صاحب دار أزياء بلنسياغا Balenciaga بتعيين النحّاتة جانين جانيت Janine Janet لإبداع مجموعات من العناصر الخاطفة للأبصار لدار أزيائه الراقية التي تقع في Avenue Georges V، بشرط واحد صارم وهو عدم عرض أيّ من منتجات الدار في واجهة العرض. ولكن منشاري قد ذهبت إلى أبعد من هذا الحدّ، فإذا كانت جانين قد ابتكرت مزيج من العناصر الفنية المميزة، فإن منشاري قد أحاطت في ابتكاراتها بكافة العوالم الشاملة (وبالمصادفة فإن المعرض يحمل عنوان Les Mondes de Leïla Menchari “عوالم منشاري”). وقد صار أسلوبها في تنسيق واجهات العرض كلوحات فنية استثنائية تعج بالثراء والجاذبية نموذجاً يحاكيه الكثيرون.

واجهة هيرمس في ربيع 2011

قال Pierre-Alexis Dumas المدير الفني لدار هيرمس في حوار مع منشاري أثناء افتتاح المعرض: “ليلى فنانة حاذقة، استطاعت الارتقاء بأسلوبها إلى مستوى راقي من الفن. هناك العديد من نماذج المحاكاة في العديد من الديار. وأنا أرى أن هذا يحث على التحرك قدماً”. أما منشاري فتقول: “إن نوافذ العرض ما هي إلا معارض، ولكن كل عنصر نضعه داخل الواجهة يلعب دوراً. أنت داخل مسرح صغير، حيث يجب أداء كل دور بإتقان شديد”.

واجهة عرض هيرمس

يستمر المعرض في القصر الكبير، من 8 نوفمبر إلى 3 ديسمبر 2017.