يقدّم لنا العلم اليوم خيار شراء ألماس من صنع البشر. ففي المختبرات عبر العالم، من ألمانيا إلى الصين، يقوم الرجال والنساء، ذوو القمصان البيض، بإعادة توفير الشروط نفسها التي حوّلت الكربون إلى ألماس على مرّ ملايين السنين. وهم ينجحون في ذلك.

ما من التباس بين الألماس المُنتج مختبريّاً وبين مكعّبات الزركونيا وأحجار الراين. فالماس المنتج هو حقيقيّ ويتمتع بخصائص الألماس المستخرج من الأرض نفسه من الناحية البصريّة والجيمولوجيّة، بحيث أنّ خبراء الأحجار الكريمة المتمرّسين نفسهم لا يستطيعون تمييز الفرق بينهما.

وكونه مقصدًا للتكنولوجيا الناشئة، يعتبر وادي السيليكون من الأماكن الأولى التي تقوم فعليّاً باستثمار ابتكار الألماس المُنتج مختبريّاً. والشركة الرائدة التي تجذب إليها الجمهور هي “دايموند فاوندري” Diamond Foundry أي مسبك الألماس. فهي تستقطب المستثمرين الأكثر شهرةً بمن فيهم ليوناردو دي كابريو الذي أعرب عن رأيه في هذا المجال: “أنا فخور بالاستثمار في مؤسسة “دايموند فاوندري” التي تعنى بزراعة الألماس الحقيقي في أمريكا بعيداً عن أضرار التنقيب البشرية والبيئية.” وتتميّز الشركة بتسويق “جذّاب” يركّز على الفوائد الأخلاقية (أي لا تنقيب، لا استغلال، مع سلسلة موارد واضحة) للأحجار المنتجة مختبريّاً. هي محاولة لتغيير طريقة نظرتنا للألماس.

في هذا السياق، يعترف مارتن روشايسن Martin Roscheisen، الرئيس التنفيذي لـ Diamond Foundry: “عندما يُسأل الناس بشكل مجرّد عن رغبتهم في شراء الألماس الاصطناعي، يميلون إلى الرفض”. ويُضيف: “ولكنّ هذا كمن يسأل أحداً في سنة 1990 إذا كان يرغب في شراء سيارة كهربائية في زمن كانت فيه عربات الغولف هي السيارات الكهربائية الوحيدة المتوفرة. وحين يرى الناس الألماس المنُتج معروضاً في متجر ويدركون زراعته لن يترددوا في شرائه. “الألماس المزروع هو بكل بساطة المنتج الأفضل عموماً. هو كالغذاء العضويّ، إنّه الغذاء الأفضل.”

مارتن روشايسن
مارتن روشايسن يغير عالم صناعة الألماس

بالنسبة إلى أولئك الذين يقصدون المقاهي ويقفون في الصف لشراء حليب الصويا المنزوع الكافيين، والجاهزين دائماً للضغط على مفتاح خدمة الدفع بواسطة Apple Pay، لا شكّ في أن ّ ذلك يبدو حتميّاً. أمّا بالنسبة إلى الرومانسيين بيننا فليس من السهل عليهم تقبّل فكرة إنهيار القصّة التي تواترتها الأجيال عن الألماس الذي يتكوّن على مهل تحت سطح الأرض على مدى ملايين السنين.

يقول روشايسن: ” بادئ ذي بدء، إنّ هذا الإعتقاد خاطئ. فابتكار الألماس الاصطناعيّ يتطلّب أسبوعين كاملين من العمل المتواصل، مما يُعتبرأبطأ بمئة مرّة من تشكيل الأرض له. فالألماس يتكوّن في الأرض خلال ساعتين أو ثلاث”. وفيما يستغرق اكتشاف الألماس ملايين السنين، إلّا عن عمليّة تكوينه تبدأ بدرجة حرارة مرتفعة جداً وضغط هائل على عمق 100 ميل أدنى من سطح الأرض. وحين يقذف الجَيشان المادّة إلى الأعلى ويبرّدها بسرعة، في تلك اللحظة بالذات يتكوّن الألماس كما نعرفه. هذه هي الشروط نفسها الآن تُكرّر فوق الأرض لابتكار الـ 100،000 قيراط من الألماس المنتج مختبريّاً الذي تصنّعه Diamond Factory كل سنة.

وهناك أيضاً بالتالي الجانب المظلم لقصة التنقيب الرومنسية التي يودّ الجواهريون ألّا تتبادر إلى أذهان الناس حين يختارون خاتم الزفاف. فبينما تعتبر النسبة الأدنى من الألماس ناجمة عن مناطق النزاع – وهي تقدّر بحوالى 1% – إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ الـ 99% من الألماس المكفولة من “كمبرلي بروسيس” The Kimberley Process أي عملية كمبرلي، مراقِبة الصناعة، هي مُوَثَّقَة المصدر أخلاقياً وبيئيّاً. وذلك لأن صناعة الأحجار الكريمة تواجه مشكلة كبيرة في ما يتعلّق بتعقّبها ومعرفة مكان صنعها. وإذا سُئِل تاجر عن مصدر الحجر فمن الصعب أن يجيب بكل تأكيد. والجدير بالذكر أنّ الممثلة سلمى حايك أقامت مؤخّراً مزاداً خيرياً من 4،11 قيراطاً من الزمرد لجمعية “موذرز تو موذرز” mothers2mothers في منزلها في لندن، منحها فابرجي Faberge، وقد حُفرعليها رقم المرجع بالليزر، الأمر الذي يؤكد أنّها من منجم جيم فيلدز Gemfields في زامبيا.

مجوهرات انابيلا تشان من الماس المختبرات

في أحد المتاجر داخل فندق هام يارد اوتيل Ham Yard Hotel في سوهو، تطالعك جواهريّة، أنابيلا تشان Anabela Chan، وهي تستطيع أن تؤكد أنّ كل حجر من الألماس والأحجار الكريمة الملوّنة واللامعة المعروضة بأناقة في متجرها هي ذات مصادر حقيقية وأخلاقيّة، وذلك لأنّ كل حجر كريم بينها – من الجمشت (الأميتيست) Amethyst الأرجواني الفاخر، والياقوت Sapphires الفوشيا، والألماس الأصفر الفاتح، وحتى العقيق Opal الأسود قد نما في مختبر.

“إذا سئل تاجر عن مصدر الحجر فمن الصعب أن يجيب بكل تأكيد.”

تقول تشان Chan: “تعلّمتُ صناعة الحليّ بطريقة تقليديّة. ولكن عندما كنت في السنة الثانية، إلتقيت بصديقة تعمل في مجال تصميم الأحذية، بينما تعمل عائلتها في حقل الأحجار الكريمة. فسألتها لم اختارت تصميم الأحذية. أجابتني: “لو رأيت ما رأيت وعرفت ما عرفت، لكنت رفضت أنت أيضاً الإنخراط في هذه الصناعة.” كانت هذه لحظة مفصليّة”.

وفيما تأتي أقلية صغيرة من زبائن تشان إلى متجرها بسبب المنتج المختبريّ، إلّا أنّهم يُعجبون بالتصاميم أولاً ويكتشفون جذور الأحجار ثانياً (والأسعار أيضاً). كما أنّهم سيعملون على مزج قطعها بمجموعاتهم التي تغلب عليها الجواهر المُستخرجة من الأرض والأغلى ثمناً. وتضيف تشان: “عندما تنظرين إلى الأحجار، تستطيعين أن تري كم هي جميلة. وأعتقد أننا نبتكر قطعاً يفضّل الناس التحلّي بها على الإحتفاظ بها في مكان آمن. كما إنّهم يشعرون بالراحة حين يسافرون بها. إضافة إلى ذلك فإنّ هذه القطع الوهّاجة والملوّنة والرائعة يمكن أن تعجب الشريحة الشبابيّة من الناس لأنها تستطيع اليوم تحمّل كلفتها”.

ريهانا وخاتم الماس من صنع المختبر، تصميم انابيلا تشان

وإلى جانب الأخلاقية، فإنّ الثمن المنخفض للألماس المنتج مختبرياً هو مصدر الجذب الأساسي. كما في متجر الجواهري الأخلاقي كريد Cred في كليركنويل Clerkenwell، الذي يعمل فقط بنظام المواعيد، حيث تُعرض كل خواتم الزفاف الذهب على أساس التجارة العادلة إما مع ألماس من مصدر أخلاقي مُستخرج في كندا أو ناميبيا، وإما مع ألماس مُنتج مختبريّاً. ولا شكّ أنّ تبديل الحجر من مُستخرج إلى مُنتج مختبريّاً يوفر عليك حتى 30%.

ويتابع كريد Cred: ” إنّ بعض الزبائن لا يزالون يبحثون عن طابع الحجر الطبيعي ألا وهو الرومانسية. بينما الكثيرون منهم يفضلون الحصول على عدد أكبر من الألماس المنتج مختبريّاً مقابل أموالهم، ويعجبهم أن يحصلوا على كل روعة الماس اللامع من دون أضرار بيئية، مطمئنين أن أحداً لم يتضرر من هذه العملية”.

عقد الماس من سوارفسكي

وقد أطلق مشغل سوارفسكي Swarovski السنة الماضية مجموعته الخاصة من المجوهرات التي جعلت علامته التجارية للكريستال توازي الألماس المنتج مختبرياً. كما تالّقت ممثلة أفلام الرعب الأمريكية، إيما روبرتز Emma Roberts ببعض القطع على السجادة الحمراء في مهرجان الأوسكار لسنة 2017، محدثة نقطة تحوّل للألماس المنتج مختبرياً بعد أن تم الأخذ به على محمل الجد.

ويبقى السؤال هل سيحافظ الألماس المنتج مختبريّاً على قيمته كما فعل سلفه الألماس المستخرج؟ هل سيسلك درب التقنية والأسعار المخفّضة فيما زيادة الإنتاج تعزّز المنتج؟ أم أنهم سوف يعمَدون إلى تقليد اللآلئ المزروعة، التي حلّت مكان اللآلئ الطبيعية في العشرينيات؟ وبالرغم من انخفاض أسعارها، تعتبر اللآلئ المزروعة اليوم التي كانت تعتبر سابقاً “لآلئ مزيّفة”، من الرفاهيات التي يتم البحث عنها. وخبر سار بالنسبة إلى من يملكون ألماساً مستخرجاً، إذ أن ّ ثمن اللآلئ الطبيعية أصبح مرتفعاً جداً، بل إلى مزيد من الإرتفاع.